مووووج
10-11-2010, 03:56 PM
شهداء الحرية"
"قصة قصيرة"
الكاتب :الروائي توفيق عبيد
في فجر يومٍ دامٍ وحزين يوم الاثنين 31/5/2010 ,استيقظ صُهيب المالك كعادته مع انبلاج فجر ذلك اليوم , أسبغ على نفسه الوضوء توجه إلي المسجد المجاور , صهيب في نهاية العقد السادس من عمره , اشتعل رأسه شيباً , لحيته بيضاء نقية كنقاء سريرته , أدى الفريضة ,عاد إلى منزله , وضعت زوجه طعام الإفطار , فتح التلفاز لمتابعة آخر الأخبار لأنه ابتعد كثيراُ عنها ...ببساطة يتخذ من النهار معاشاً ومن الليل لباساً , بالكاد يصلي العشاء ويغط بعدها في نوم عميق , ومع صياح الديكة وشقشقة العصافير وصوت المؤذن... هذه السيمفونية الجميلة التي يعشقها ويستيقظ من النوم علي امتزاج ألحانها .
كانت بداية التلفاز محطة الجزيرة ، صورة غير واضحة المعالم لجنود وسفن، ركز صهيب المالك انتباهه علي الصورة والمكتوب تحتها......... خبر عاجل .....بالخط الأحمر ...... الهجوم علي سفن الحرية ، أزاح الطعام جانبا، بدأت الأخبار العاجلة تتوارد تباعا، الجيش الصهيوني ينفذ هجوما كبيرا علي سفن قافلة الحرية المتجهة إلى غزة لكسر الحصار الظالم المفروض علي غزة هاشم.
أخذ صهيب ينتقل من قناة إلي قناة بعصبية بالغة ، ينقب هنا ويبحث هناك، لكنها كلها كانت أخبارا حزينة ، الجيش الصهيوني بقواته البحرية والجوية والقوات الخاصة وقوات إنزال جوي ، كلها اقتحمت قافلة السلام ....... قافلة الحرية....... قافلة كسر الحصار ، عشرات الشهداء والجرحى في صفوف المتضامنين !!! ضحايا جدد لكن الجلاد واحد !!!
اخذ صهيب بالبكاء الحار ، علا نحيبه، قفزت إلى ذاكرته مشاهد الدماء .... والخوف.... الحزن... القتل بدماء باردة .... قفزت إلى الذاكرة خبرته الصادمة الأليمة !!! صدمة يوم السابع عشر من يناير عام ألفين وتسعة ، يومين قبل نهاية الحرب علي غزة ، أعلن الجيش الإسرائيلي عن توقف القصف من الساعة الواحدة ظهرا حتى الثالثة ، ساعتين لتمكين السكان المدنين من التزود بالمواد الغذائية ، صهيب المالك يملك بيتا ومزرعة شرقي جباليا ،عند بداية الحرب قام بإخلاء زوجته وأولاده وبناته الصغار، نقلهم إلى بيت آمن في قلب مدينة غزة، وبقي هو واثنين من أبنائه الكبار في البيت ، الابن البكر أسعد والثاني سعيد.
تم اجتياح المنطقة الشرقية واحتلالها في بداية الهجوم البرى، طلقات وقذائف أصابت البيت ولكنهم لم يقتحموه وأصبح في منطقة محتلة تماما .
استغل صهيب هذه الهدنة القصيرة وركب سيارة التندر (نصف نقل صغيرة) ، كان هو السائق وابنه البكر بجواره والابن الثاني في الصندوق الخلفي للسيارة ، تركوا البيت والمزرعة لان الهجمة الصهيونية كبيرة وشرسة وليس توغلا محدودا مثل كل مره!!! في منتصف الطريق فوجئ صهيب بموقع عسكري إسرائيلي كبير تم إقامته كمعسكر ميداني , طبعا لم يكن موجودا قبل الحرب ، وما إن دخلت السيارة المكان حتى عاجلتها زخات كثيفة من الرصاص ..... توقف صهيب ..... أصيب أسعد برصاصة في كتفه،أحاط عدد كبير من الجنود السيارة وأمروا السائق بعدم التحرك والبنادق مشرعة ...... بل موجهة إلى رؤوس ثلاثتهم !!! مضي الوقت ثقيلا كئيبا وأخذت الشمس في الغياب رويدا رويدا والاختفاء خلف الأفق البعيد مخلفة وراءها هالة عظيمة من السواد، أخذت الظلمة تغزو المكان بدون استئذان، ما زال الدم ينزف من الابن أسعد الذي طلب من والده أن يسعفه...
- والدي.. والدي... خذني إلى المستشفي ... أنا باموت يا والدي!!!
- أنا ولا أنت يا بني!!! إن شاء الله أموت أنا وتحيا أنت.
قام الوالد بالصراخ علي الجنود...
- ابني بيموت.... ابني بيموت.... أريد أن أنقذ ابني ... أليس في قلوبكم رحمة؟ ...
قام سعيد بالنزول من صندوق السيارة، أخذته الحمية لوالده وأخيه ، لكن ما إن نزل من صندوق السيارة حتى عاجلته زخة من الرصاص أردته قتيلا، اخذ الوالد بالصراخ وهو داخل السيارة قائلا:
- حرام عليكم !!! حرام عليكم !!!
جاء أحد الجنود ووقف بجانب شباك السيارة ونظر لصهيب بنصف عين ...
- مالك..... مالك.... ايش مالك ؟!
- أريد أن أسعف ولدي أسعد ..... وأريد أن أعرف ماذا فعلتم بابني سعيد ؟
- ابنك في الخلف كويس!!! وابنك الذي بجوارك أيضا كويس ... احمد ربك أنه ما زال حي !!!
- أريد أن أنزل لأطمئن على ابني في الخلف .
- ابنك موجود ...موجود... لا تقلق. رد جندي آخر .
- أريد أن أسعف ولدي ...ولدي أسعد ... الذي ينزف بجانبي !!!
- ممنوع النزول من السيارة ... لحسن نطخك !!!
انتصف الليل وصهيب مازال في السيارة خلف المقود .
حضرت بعض الكلاب الضالة وأخذت بنهش شئ ما خلف السيارة , نظر إلى المرآة , رأى الكلاب تجر شيئا يشبه الإنسان , تنهشه ... تمزقه ...تجره, أحس أن ابنه في الخلف لا يعطي أية أشارة تدل علي أنه حي وموجود , أيقن أن مكروها قد أصابه , نظر إلى أسعد بجواره ... ما زال ينزف ويتألم ويقول :
- أُحس بالبرد يا والدي ... غطيني ... أنا تعبان يا والدي !!!
جن جنون صهيب , بركان انفجر بداخله , فتح باب السيارة , أخذ بالصراخ ... حرام عليكم... أريد أن أسعف ابني ... ماذا حدث لابني في الخلف ؟!!! هل أصبح طعاما للكلاب !!!
انهمر الرصاص الكثيف على السيارة , حضر ضابط ومجموعة من الجنود, أحكموا الطوق حول السيارة من كل الاتجاهات , ووقف الضابط قبالة صهيب وقال :
- لماذا كل هذا الإزعاج ؟ ماذا تريد؟
- أريد أن أطمئن على ابني في الخلف .
- ابنك في الخلف موجود ولكنه ... ميت!!!
أخذت الدموع تنهمر من مقلتي صهيب , أخذ يرجو الضابط إسعاف ابنه الذي يجلس بجواره .
- لا ... لا ... سنطلق النار على ابنك الثاني ... سيموت , أي حركة منك أو منه سيكون الموت لكم!
رأى الضابط الدموع في عيون صهيب فأردف قائلا :
حبيبي لا تبكي ... لماذا أنت حزين ؟!!! لا تضغط على نفسك !!! ماذا يعني أن ابنك مات ؟!!! ابنك شهيد !!! ألست رجل ؟!!! الرجل لا يبكي !!! أم أنك امرأة ؟!!! المهم أن تحافظ علي صحتك !!! ماذا يعني أن يموت ابنك الذي بجوارك ؟ لكن أنت حي وموجود , لا تضغط علي نفسك حبيبي ... من الممكن أن تضر صحتك !!! ماذا يعني أن اثنين من أبنائك ماتوا؟!!! المهم أنت كويس وصحتك أهم من الدنيا ... وأطلق الضابط قهقهة عظيمة ...تبعها موجه من قهقهات الجنود ... وأضاف الضابط:
- أي حركة بعد ذالك سنطلق الرصاص ... سيكون الرصاص في المليان !!! سيكون الرصاص قاتل ... أنا أحذرك ... ستموت !!!
زحف الخوف إلى نفس صهيب , أخذ الجبن منه كل مأخذ , غريزة البقاء تملكته , الخوف من الموت أصبح هاجسه , تخشب في مكانه خلف المقود , أصبح لا يُحس بأنين ابنه أسعد... أخذ هاجس في نفسه يقول له :
- كفي دماء ... كفي قتل... لا أريد أن أموت ... أريد أن أعيش !!!
ظل صهيب خلف المقود طوال الليل , أنين أسعد لم ينقطع , النزيف لم ينقطع رغم محاولات أبيه تضميد جرحه بقطعة من قميصه, الكلاب نهشت جثة سعيد في الخلف ولكنه ظل جامدأ كجبل جليد صلد لا يتزحزح , كان مؤمنا بأن أي حركة هي الفرق بين الحياة والموت وقد اختار الحياة !!!
الغريزة اختارت البقاء !!! الجسد تجمد بل تخشب خلف المقود .
طلع الفجر وانتصف النهار وغابت الشمس وأرخي الليل سدوله وبزغ الفجر من جديد حتى أنتصف النهار وصهيب مازال صامدا ... جامدا ... متخشبا خلف المقود ... و في منتصف النهار هرع جمع من الناس إلى السيارة لإنقاذهم, وعندما رأي الناس وعلم أنهم قدموا إليه منقذين , وعلم أن الجيش الصهيوني انسحب , كانت فرحة ... كانت صدمة ... لقد تركه الموت ... والحياة مازالت تفتح له ذراعيها والناس سينقذونه, ومن شدة الفرحة والصدمة دخل في غيبوبة ... سقط أرضا مغشيا عليه !!! لم يصحو منها إلا بعد مرور 24 ساعة , صحي بعدها من غيبوبته ... أخذ بالصراخ بعد أن رأي كلُ شيء حوله أبيض في أبيض ... أخذ يصرخ ويقول :
- أين أنا ؟ هل أنا ميت ؟ هل أنا في الجنة ؟!!!هل هذه حرية الجنة ؟!
- أهدأ ... أهدأ... أنت لست في الجنة ولست في النار,أنت في الدنيا الفانية ... أنت في المستشفي !!!
- يا رجل ... يا أبو أسعد ... لقد تخشبت خلف التلفاز !!!لقد آنتصف النهار !!! ماهي اخر الأخبار؟ !!!
- أراد أبناء صهيب المالك الهروب من الموت إلي الحياة , فهربوا من الموت إلى الموت , وركاب سفينة الحرية أرادوا صياغة التاريخ بأحرف من حرية فصاغوها بأحرف من دم.
- طريق الحرية ليست مفروشة بالورود والقبلات بل معبدة بالدم والدموع .
"قصة قصيرة"
الكاتب :الروائي توفيق عبيد
في فجر يومٍ دامٍ وحزين يوم الاثنين 31/5/2010 ,استيقظ صُهيب المالك كعادته مع انبلاج فجر ذلك اليوم , أسبغ على نفسه الوضوء توجه إلي المسجد المجاور , صهيب في نهاية العقد السادس من عمره , اشتعل رأسه شيباً , لحيته بيضاء نقية كنقاء سريرته , أدى الفريضة ,عاد إلى منزله , وضعت زوجه طعام الإفطار , فتح التلفاز لمتابعة آخر الأخبار لأنه ابتعد كثيراُ عنها ...ببساطة يتخذ من النهار معاشاً ومن الليل لباساً , بالكاد يصلي العشاء ويغط بعدها في نوم عميق , ومع صياح الديكة وشقشقة العصافير وصوت المؤذن... هذه السيمفونية الجميلة التي يعشقها ويستيقظ من النوم علي امتزاج ألحانها .
كانت بداية التلفاز محطة الجزيرة ، صورة غير واضحة المعالم لجنود وسفن، ركز صهيب المالك انتباهه علي الصورة والمكتوب تحتها......... خبر عاجل .....بالخط الأحمر ...... الهجوم علي سفن الحرية ، أزاح الطعام جانبا، بدأت الأخبار العاجلة تتوارد تباعا، الجيش الصهيوني ينفذ هجوما كبيرا علي سفن قافلة الحرية المتجهة إلى غزة لكسر الحصار الظالم المفروض علي غزة هاشم.
أخذ صهيب ينتقل من قناة إلي قناة بعصبية بالغة ، ينقب هنا ويبحث هناك، لكنها كلها كانت أخبارا حزينة ، الجيش الصهيوني بقواته البحرية والجوية والقوات الخاصة وقوات إنزال جوي ، كلها اقتحمت قافلة السلام ....... قافلة الحرية....... قافلة كسر الحصار ، عشرات الشهداء والجرحى في صفوف المتضامنين !!! ضحايا جدد لكن الجلاد واحد !!!
اخذ صهيب بالبكاء الحار ، علا نحيبه، قفزت إلى ذاكرته مشاهد الدماء .... والخوف.... الحزن... القتل بدماء باردة .... قفزت إلى الذاكرة خبرته الصادمة الأليمة !!! صدمة يوم السابع عشر من يناير عام ألفين وتسعة ، يومين قبل نهاية الحرب علي غزة ، أعلن الجيش الإسرائيلي عن توقف القصف من الساعة الواحدة ظهرا حتى الثالثة ، ساعتين لتمكين السكان المدنين من التزود بالمواد الغذائية ، صهيب المالك يملك بيتا ومزرعة شرقي جباليا ،عند بداية الحرب قام بإخلاء زوجته وأولاده وبناته الصغار، نقلهم إلى بيت آمن في قلب مدينة غزة، وبقي هو واثنين من أبنائه الكبار في البيت ، الابن البكر أسعد والثاني سعيد.
تم اجتياح المنطقة الشرقية واحتلالها في بداية الهجوم البرى، طلقات وقذائف أصابت البيت ولكنهم لم يقتحموه وأصبح في منطقة محتلة تماما .
استغل صهيب هذه الهدنة القصيرة وركب سيارة التندر (نصف نقل صغيرة) ، كان هو السائق وابنه البكر بجواره والابن الثاني في الصندوق الخلفي للسيارة ، تركوا البيت والمزرعة لان الهجمة الصهيونية كبيرة وشرسة وليس توغلا محدودا مثل كل مره!!! في منتصف الطريق فوجئ صهيب بموقع عسكري إسرائيلي كبير تم إقامته كمعسكر ميداني , طبعا لم يكن موجودا قبل الحرب ، وما إن دخلت السيارة المكان حتى عاجلتها زخات كثيفة من الرصاص ..... توقف صهيب ..... أصيب أسعد برصاصة في كتفه،أحاط عدد كبير من الجنود السيارة وأمروا السائق بعدم التحرك والبنادق مشرعة ...... بل موجهة إلى رؤوس ثلاثتهم !!! مضي الوقت ثقيلا كئيبا وأخذت الشمس في الغياب رويدا رويدا والاختفاء خلف الأفق البعيد مخلفة وراءها هالة عظيمة من السواد، أخذت الظلمة تغزو المكان بدون استئذان، ما زال الدم ينزف من الابن أسعد الذي طلب من والده أن يسعفه...
- والدي.. والدي... خذني إلى المستشفي ... أنا باموت يا والدي!!!
- أنا ولا أنت يا بني!!! إن شاء الله أموت أنا وتحيا أنت.
قام الوالد بالصراخ علي الجنود...
- ابني بيموت.... ابني بيموت.... أريد أن أنقذ ابني ... أليس في قلوبكم رحمة؟ ...
قام سعيد بالنزول من صندوق السيارة، أخذته الحمية لوالده وأخيه ، لكن ما إن نزل من صندوق السيارة حتى عاجلته زخة من الرصاص أردته قتيلا، اخذ الوالد بالصراخ وهو داخل السيارة قائلا:
- حرام عليكم !!! حرام عليكم !!!
جاء أحد الجنود ووقف بجانب شباك السيارة ونظر لصهيب بنصف عين ...
- مالك..... مالك.... ايش مالك ؟!
- أريد أن أسعف ولدي أسعد ..... وأريد أن أعرف ماذا فعلتم بابني سعيد ؟
- ابنك في الخلف كويس!!! وابنك الذي بجوارك أيضا كويس ... احمد ربك أنه ما زال حي !!!
- أريد أن أنزل لأطمئن على ابني في الخلف .
- ابنك موجود ...موجود... لا تقلق. رد جندي آخر .
- أريد أن أسعف ولدي ...ولدي أسعد ... الذي ينزف بجانبي !!!
- ممنوع النزول من السيارة ... لحسن نطخك !!!
انتصف الليل وصهيب مازال في السيارة خلف المقود .
حضرت بعض الكلاب الضالة وأخذت بنهش شئ ما خلف السيارة , نظر إلى المرآة , رأى الكلاب تجر شيئا يشبه الإنسان , تنهشه ... تمزقه ...تجره, أحس أن ابنه في الخلف لا يعطي أية أشارة تدل علي أنه حي وموجود , أيقن أن مكروها قد أصابه , نظر إلى أسعد بجواره ... ما زال ينزف ويتألم ويقول :
- أُحس بالبرد يا والدي ... غطيني ... أنا تعبان يا والدي !!!
جن جنون صهيب , بركان انفجر بداخله , فتح باب السيارة , أخذ بالصراخ ... حرام عليكم... أريد أن أسعف ابني ... ماذا حدث لابني في الخلف ؟!!! هل أصبح طعاما للكلاب !!!
انهمر الرصاص الكثيف على السيارة , حضر ضابط ومجموعة من الجنود, أحكموا الطوق حول السيارة من كل الاتجاهات , ووقف الضابط قبالة صهيب وقال :
- لماذا كل هذا الإزعاج ؟ ماذا تريد؟
- أريد أن أطمئن على ابني في الخلف .
- ابنك في الخلف موجود ولكنه ... ميت!!!
أخذت الدموع تنهمر من مقلتي صهيب , أخذ يرجو الضابط إسعاف ابنه الذي يجلس بجواره .
- لا ... لا ... سنطلق النار على ابنك الثاني ... سيموت , أي حركة منك أو منه سيكون الموت لكم!
رأى الضابط الدموع في عيون صهيب فأردف قائلا :
حبيبي لا تبكي ... لماذا أنت حزين ؟!!! لا تضغط على نفسك !!! ماذا يعني أن ابنك مات ؟!!! ابنك شهيد !!! ألست رجل ؟!!! الرجل لا يبكي !!! أم أنك امرأة ؟!!! المهم أن تحافظ علي صحتك !!! ماذا يعني أن يموت ابنك الذي بجوارك ؟ لكن أنت حي وموجود , لا تضغط علي نفسك حبيبي ... من الممكن أن تضر صحتك !!! ماذا يعني أن اثنين من أبنائك ماتوا؟!!! المهم أنت كويس وصحتك أهم من الدنيا ... وأطلق الضابط قهقهة عظيمة ...تبعها موجه من قهقهات الجنود ... وأضاف الضابط:
- أي حركة بعد ذالك سنطلق الرصاص ... سيكون الرصاص في المليان !!! سيكون الرصاص قاتل ... أنا أحذرك ... ستموت !!!
زحف الخوف إلى نفس صهيب , أخذ الجبن منه كل مأخذ , غريزة البقاء تملكته , الخوف من الموت أصبح هاجسه , تخشب في مكانه خلف المقود , أصبح لا يُحس بأنين ابنه أسعد... أخذ هاجس في نفسه يقول له :
- كفي دماء ... كفي قتل... لا أريد أن أموت ... أريد أن أعيش !!!
ظل صهيب خلف المقود طوال الليل , أنين أسعد لم ينقطع , النزيف لم ينقطع رغم محاولات أبيه تضميد جرحه بقطعة من قميصه, الكلاب نهشت جثة سعيد في الخلف ولكنه ظل جامدأ كجبل جليد صلد لا يتزحزح , كان مؤمنا بأن أي حركة هي الفرق بين الحياة والموت وقد اختار الحياة !!!
الغريزة اختارت البقاء !!! الجسد تجمد بل تخشب خلف المقود .
طلع الفجر وانتصف النهار وغابت الشمس وأرخي الليل سدوله وبزغ الفجر من جديد حتى أنتصف النهار وصهيب مازال صامدا ... جامدا ... متخشبا خلف المقود ... و في منتصف النهار هرع جمع من الناس إلى السيارة لإنقاذهم, وعندما رأي الناس وعلم أنهم قدموا إليه منقذين , وعلم أن الجيش الصهيوني انسحب , كانت فرحة ... كانت صدمة ... لقد تركه الموت ... والحياة مازالت تفتح له ذراعيها والناس سينقذونه, ومن شدة الفرحة والصدمة دخل في غيبوبة ... سقط أرضا مغشيا عليه !!! لم يصحو منها إلا بعد مرور 24 ساعة , صحي بعدها من غيبوبته ... أخذ بالصراخ بعد أن رأي كلُ شيء حوله أبيض في أبيض ... أخذ يصرخ ويقول :
- أين أنا ؟ هل أنا ميت ؟ هل أنا في الجنة ؟!!!هل هذه حرية الجنة ؟!
- أهدأ ... أهدأ... أنت لست في الجنة ولست في النار,أنت في الدنيا الفانية ... أنت في المستشفي !!!
- يا رجل ... يا أبو أسعد ... لقد تخشبت خلف التلفاز !!!لقد آنتصف النهار !!! ماهي اخر الأخبار؟ !!!
- أراد أبناء صهيب المالك الهروب من الموت إلي الحياة , فهربوا من الموت إلى الموت , وركاب سفينة الحرية أرادوا صياغة التاريخ بأحرف من حرية فصاغوها بأحرف من دم.
- طريق الحرية ليست مفروشة بالورود والقبلات بل معبدة بالدم والدموع .